بينما نقوم بحمله لحماية الفلاحين, كان هناك بيت قد هدم

منذ القدم اعتمدت الكثير(والتي لا تحصى) من عائلات الفلاحين الفلسطينيين,على فلاحة حقول وأشجار الزيتون, كقاعده أساسيه لحياتهم المعيشيه, ومصدر أساسي للدخل. تلك المستوطنات الأسرائيليه الهزليه والتي تحتل قمم الجبال والمرتفعات الفلسطينيه, وجودها هنا يشوه الصوره المثاليه للطبيعه . للوهله الاولى من الصعب تصديق فكرة, بأنها تشكل تهديدا لهؤلاء الفلسطينيين أصحاب الحقول على سفوح تلك الجبال. لكن ماذا نريد نحن هنا؟ قدومنا الى هنا هو من أجل مرافقة الفلاحين الفلسطينيين لحمايتهم من المستوطنين الاسرائيليين, ليستطيع هؤلاء الفلاحون بالقيام بعملهم في حقولهم من دون أن يتعدى عليهم المستوطنين. لآنه مما تبين, بأن المستوطنين يقوموا بخلع أشتال الزيتون,بتدمير المحاصيل أو يقوموا أيضا بطرد الفلاحين من أماكن عملهم في الحقول,مستعملين أساليب مختلفه منها الحجاره أو قوة السلاح او الاستعانه بقوات من الجيش الاسرائيلي. بالنسبه للمتطوعين المشاركين في تلك الحمله لحماية الفلاحين الفلسطينيين يعني لهم ذلك هو يوم للأستمتاع في الطبيعه الفلسطينيه في مناطق الداخل الفلسطيني, ولمشاهدة الطبيعه الفلسطينيه بصفائها ونقائها وفي آن واحد تمكين هؤلاء الفلاحين من القيام بعملهم في حقولهم دون مضايقه وتهديد من المستوطنين, الذي يرغب من المتطوعين المشاركه , يمكنه أيضا ذلك: كأن يعزق الأرض أو الحرث أو زراعة الأشتال او أيضا فقط المشاركه في تناول الطعام مع هؤلاء الفلاحين عند العصر.
مدى جدية الوضع وخطورته تبين لي حقيقة , أصبح واضحا لي , بينما كنت أتناول طعامي: أوضحت لي أمرأة عجوز فلسطينيه بلغة الأشاره وبجهد جهيد أرادت أن توضح لي, كيف تضرب هي بالحجاره , وكيف تصاب أصابات وعلى ما يبدو لي أنها أصيبت أصابات عديده وكبيره. لقد كانت تشير دائما وبأستمرار باصبعها الى المستوطنه في القمه هناك أو الى نقطة الجيش على مقربه منا, مما يدل على مدى الرعب الذي يتسببون به هؤلاء الأسرائيليين- من المحتمل,لأن الخطر الغير مرئي بالنسبة لي ,لتلك القلعه او الحصن الذي ينذر بالخطر يكون أفضل تصويره. لكن على الأقل نظراتها تتكلم لغة واحده واضحه تبين مدى ارتباكها النفسي. أما بالنسبه للفلاح الذي كان معنا والذي يمتلك أشجار الزيتون وجاء ليعتني بها, كان لطيفا للغايه وترك لدي الأنطباع بأنه مسترخيا جدا, أخني معه في جوله بين أشجار الزيتون,بفخر كان يريد أن يطلعني على نقاط مشاهد, لقرى صغيره واقعه على سفوح الجبال المواجهه لنا, المدرسه وبيته. لقد فوجئت منه يقول لي بلغته الأنجليزيه الركيكه يدعوني لزيارته في بيته بعد أنتهاء يوم العمل وقضاء الليلة عنده في بيته. فقط والألم يعتصر قلبي رفضت دعوته, أخيرا وفي نفس اليوم للوقوف الى جانب ومساندة حمله أخرى لغرس أشجار الزيتون وبذلك قمنا بتوديع هؤلاء الفلاحون. كما علمت مسبقا منه أيضا , كيف ذات مره بأن احدى القلاع التي دحرجت بسبب تلك المستوطنات وشق شوارعها, قد كانت قضت على تجهيزاته ومعداته. حقيقة لم نستطيع أن نبرح موقعنا حتى أكدنا اولا لتلك العجوز الفلسطينيه, بأن متطوعين آخرين ما زالوا في الحقول المجاوره وبأنهم سيبقوا هنا طيلة اليوم- قبضتها, التي لم تشأ أبدا أن تتركني والتي أمسكت بيدي التي مددتها لتوديعها, أفلتت مني بوجل وخجل وثقه مزعزعه. في طريقنا الى منطققة أخرى للنصره في حملات زراعة الأشجار تغير البرنامج : بدلا من غرس الأشجار, أنتقلنا لمشاهدة حطام بيت كان قد هدم في الصباح الباكر, بالجرافات ألأسرائيليه, لأنه مبني بالقرب من مسار الجدار الفاصل. لكي نكون شهادا على ممارسات غير أنسانيه لذلك النظام الذي تبنى تلك الممارسات اللا أنسانيه معتبرا اياها قانونيه.
قانونيه بأعتبار ذلك البناء مبني في مكان لا يسمح البناء به من وجهة نظر أسرائيليه . أحيانا بناء مثل ذلك البناء يسمح فيما بعد بأقامته-لكن غالبا لا يسمح بأعادة بنائه....لقد حدث في السابق بأن بني بيت ثلاثة مرات وهدم ثلاثة مرات أيضا. من المتعارف عليه لدى الفلسطينيين بأن فرص نجاح عملية التقدم بطلب للحصول على رخصة بناء لدى السلطات الأسرائيليه عمليه لا تلقى نجاحا ...في الحاله هذه التي نشهدها الآن ,صاحب البيت المهدوم, هو أب لطفلين والثالث -على الطريق- يسكن حاليا في البيت الذي أصبح ضيق جدا في الحديقه الخلفيه والذي يسكن به مع والديه فقام ببناء هذا البيت الخاص به, نسبيا – ونظرا الى المنطقه المعلقه والتي يصعب الوصول اليها ونظرا لبساطة أدوات العمل- قام الرجل بحفرها في الصخر. بهدوء محاولا تمالك نفسه بكل جهد, يحدثنا صاحب البيت المهدوم ,بكلمات بسيطه وقليله عن ما حصل. عيونه السوداء الفارغه هي فقط تحدثنا عن مدى الحزن و الألم الذي يعتصره .
لم أشعر بأنه حاقد بالرغم من حداثة الفاجعه التي ألمت به, بقدر ما هو مهزوز ومزعزع لهول المصيبه. سيحتاج الى أيام ليستعيد توازنه ووعيه من جديد ولتقبل الواقع, ومده أطول لأستيعاب ما جرى. ما تبقى بعد ذلك هو شاب محطم – الجرافات أنهت العمل كله.

يوهانس هيكمان



Images: Johannes Heckmann and Jonas Calabrese